‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
19‏/09‏/2013

الطريق بين بيوتنا وبيوت الله / خطبة مكتوبة للدكتور عدنان الخطاطبة



للتعليق على الخطبة في موقع ملتقى الخطباء 
لتحميل الخطبة word


إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان. وأوصي نفسي وإياكم بتقوى الله.

أما بعد: قال ربنا تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [النور:36-38].

في الحديث الحسن الصحيح، عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ -رضي الله عنه- أن رجلا قال: يا رسول الله، أي البلدان أحب إلى الله؟ وأي البلدان أبغض إلى الله؟ قال: "لا أدري حتى أسأل جبريل عليه السلام"، فأتاه فأخبره جبريل أن أحسن البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق.

أحب البقاع إلى الله المساجد، أحسن البقاع إلى الله المساجد، ولكنها اليوم عند كثير من المسلمين لم تعدْ أحسن البقاع إليهم، ولا أحب البقاع عندهم، بل أضعفها وأزهدها وأقلها.

هُجِرت المساجد اليوم، هجرها المسلمون، هجرها الموحدون، هجرها الذين يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أنّ محمدا رسول الله!.

لم يعدْ يرتاد المساجد في صلوات الجماعة إلا قلة قليلة إذا ما قورنت بنسبة السكان القريبين من المساجد، والطريق بين بيوتنا وبيوت الله أصبحت موحشة، ووعرة، ومظلمة؛ ولكن، للأسف، الطريق بين بيوتنا وبين مجامع الدنيا نابضة بما لا يرضي الله.

أيها الإخوة: يا ليتنا نعرف الطريق الموصلة ما بين بيوتنا وبيوت الله معرفة شرعية! يا ليتنا نعرف قدرها ومنزلتها وبركتها! يقول الله تعالى: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) [الزلزلة:4]، قال المفسرون: تشهد على كلّ واحد بما عمل على ظهرها، فهذه الطريق غداً ستشهد أنّ ما بين بيتك وبيت الله كان عامراً أم خراباً.

إنّ العبد إذا دفن في قبره خاطبته الأرض التي دفن فيها قائلة له إن كان ممشاه طيبا: لقد كنت أحبّ مَنْ يمشي على ظهري إليّ، فكيف بك وقد نزلت في بطني؟ وإنْ كان ممشاه عليها سيئا خاطبته قائلة له: لقد كنت أبغض من يمشي على ظهري، فكيف بك وقد دخلت في بطني؟.

يا ليتنا نعرف قدر تلك الخطوات التي نخطوها بين بيوتنا وبيت الله! لقد نادى رسولنا -صلى الله عليه وسلم- على كل واحد منا ناصحاً له بأنْ يكثر من هذه الخطى، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟"، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ".

قال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: "كثرة الخطى إلى المساجد"، ولم يقل كثرة الخُطى إلى المقاهي، والأندية، والشوارع، والمهرجانات، وأماكن اللهو، وغيرها؛ فهذه خطوات مبغوضة وملعونة.

أيها الإخوة: هذه الخطوات ما بين بيتك إلى بيت الله لا تَستهِنْ بها، ولا تَقلل من شأنها، هي، والله، خطوات مباركة، عظيمة المنزلة والأجر عند الله.

فخطواتك هذه من بيتك إلى بيت الله ترفعك عند الله درجات، وتضع عن كاهلك الخطيئات، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً".

وفي رواية صحيحة: "كتب له كاتبه بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات".

خطواتك من بيتك إلى بيت الله هي خطواتُ حَاجٍّ إلى بيت الله الحرام، ففي الحديث الحسن عَنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَا ".

خطواتك هذه من بيتك إلى بيت الله تدخلك تحت حماية الله وحفظه، فكما في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "ثَلاَثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"، وذكر منهم: "وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ".

خطواتك هذه من بيتك إلى بيت الله هي بناء تبنيه لنفسك في الجنة، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلاً كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ".

خطواتك هذه من بيتك إلى بيت الله تجعلك من ضيوف الكريم سبحانه، كما في الحديث الحسن أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من توضأ وجاء إلى المسجد فهو زائر الله عزّ وجلّ، وحقّ على المزور أنْ يكرم الزائر".

نعم أيها المؤمن، هذا هو قدر خطواتك إلى بيوت الله، وهذا هو أجرها وخيرها وبركتها؛ ولذلك أدرك الصحابة -رضوان الله عليهم- هذا الفضل، وهذا الأجر، فتنافسوا فيه، وتسابقوا إليه.

ففي صحيح مسلم عَنْ أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لاَ أَعْلَمُ رَجُلاً أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لاَ تُخْطِئُهُ صَلاَةٌ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ أَوْ قُلْتُ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ في الظَّلْمَاءِ وَفِى الرَّمْضَاءِ. قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لي مَمْشَاي إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي"؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ".

عباد الله: لنستمع إلى تلك الآيات التي امتدح الله فيها قوما مؤمنين، حينما قال سبحانه:
(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ)، (رجال)، هكذا وصف الله -عز وجل- أولئك الذين يَعْمرون بيوته بالذكر وبصلوات الجماعة بأنهم رجال في ميزان الله.

فيكفيك هذا شرفا يا مَنْ تحافظ على صلاة الجماعة، يا من تَعْمر بيوت الله في أوقات عَمَرَ الناس فيها الشوارع والمقاهي والمسارح.

(رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ)، رأى ابن مسعود -رضي الله عنه- قوما من أهل السوق لما نودي للصلاة المكتوبة، رآهم تركوا بيعهم، ونهضوا إلى صلاة الجماعة، فقال ابن مسعود: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ).

وقال الوراق: كانوا يبيعون ويشترون، ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة.

وكما في صحيح البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- قالت عن زوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ".

(يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)، فما الذي يدفعهم ليقوموا إلى صلاة الجماعة، ليِلبّوا النداء، ليسارعوا إلى بيوت الله تاركين بيوتهم ومحلاتهم؟ هو كما قال ربك سبحانه: (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)، يخافون يوما آتياً لا محالة، تبلغ فيه الروح الحلقوم، يوما يغادرون فيه فراشهم وبيوتهم ومجالسهم وسهراتهم ووظائفهم ومحلاتهم، إلى أين؟ إلى لحد القبور، وبيت الوحدة والدود.

يخافون يوما يتركون فيه كل زخرف الدنيا وزينتها التي لأجلها ضيعنا الجماعة وهجرنا المساجد وفضلنا مجالسها على ارتياد بيوت الله.

يخافون يوما لن تنفع فيه الأموال والتجارات التي ألهت، ولا الأسرة والأصحاب الذين أشغلوا البال، وقتلوا الوقت، وعطّلوا المسير إلى بيت الله.

(يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)، نعم، إنه الله الكريم، إنه الله الذي يجزي بالإحسان إحسانا.

أيها المؤمن: لن يُضيع الله مشيك إلى بيته في وقت مشى فيه غيرك وأكثر المشي إلى مجالس الدنيا، لن يضيع الله إعْمارك لبيته في وقت أعْمَر فيه غيرك المقاهي والأندية والطرقات والحدائق، وأضاعوا فيها الأوقات والواجبات.

أيها المؤمن: كما أنَرْتَ الطريق ما بين بيتك ومحلك وبيت الله سينير الله لك قبرك، وسيحسن إليك في محشرك، وسيسهل لك الطريق ما بين محشرك وما بين الجنة.

أيها المؤمن: كنْ ممن يرتاد بيوت الله في وقت قَلّ فيه المرتادون، كُنْ ممن استجاب لربه وتعلّق قلبه بالمسجد في وقت أصمّ فيه المسلمون آذانهم فلم يستجيبوا لنداء ربهم، بل استجابوا لنداء الشيطان والأصحاب.

أيها المؤمنون: من يحيي بيوت الله إذا لم نحيها نحن المؤمنين بالله؟ من يعمرها إذا لم يعمرها الشباب والرجال والأطفال؟ لماذا نرقد في بيوتنا التي سنفارقها رغم أنوفنا؟.

نعم، إنّ بعض المسلمين اليوم مُقَصّر مع بيوت الله، الطريق ما بين بيته وبيت الله تشكوه إلى الله، بل إن بعض المسلمين اليوم يمر عليه الأسبوع والشهر والطريق بين بيته وبيت الله لم يطأها بقدمه وبقيت مغلقه ومظلمة.

والسؤال يبقى: لماذا؟ ما الذي يلهيك؟ وما الذي يمنعك؟ وما الذي يحول بينك وبين إنارة الطريق ما بين بيت الله وبيتك؟ ستعرف قيمة ذلك حينما تغادر هذه الحياة، وتندم، ولن ينفعك الندم!.

أقول قولـي هـذا وأستـــغفر الله.


الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولنا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد: أخي المسلم، لا تكن ممن يغضبون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لأنّ مَنْ يصمّ آذانه عن تلبية نداء بيوت الله هو ممن يغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَدَ نَاسًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، فَقَالَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا، فَآمُرَ بِهِمْ فَيُحَرِّقُوا عَلَيْهِمْ بِحُزَمِ الْحَطَبِ بُيُوتَهُمْ، وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا لَشَهِدَهَا".

أخي المسلم: ألا تحبّ أنْ تكون ممن مدحهم الله؟ (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ)، ألا تحبّ أنْ تكون ممن وعدهم وعداً حسنا؟ (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ).

أخي المسلم: ألا تحب أن تكون ممن يَذكرُ اللهَ في بيته؟ (بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ).

ألا تحبّ أنْ تحظى بشهادة رسول الله، كما في الحديث الحسن أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "المسجد بيت كل تقي".

أخي المسلم، أيها الشاب، أيها الرجل، أيها الكهل، أيها المؤمن: ضَعْ نفسك على هذا الميزان، واحكم على نفسك بنفسك. ما هو هذا الميزان؟ إنه ميزان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ففي الحديث الصحيح عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: إِنِّي كَبِيرٌ ضَرِيرٌ، شَاسِعُ(بعيد) الدَّارِ, وَلَيْسَ لِي قَائِدٌ يُلاَوِمُنِي(يلازمني)، فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ رُخْصَةٍ؟ قَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟" قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "مَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً".

اللهم اجعل أعمالنا صالحة، واجعلها لوجهك خالصة، ولا تجعل لأحد فيها شيئاً يا رب العالمين...
7:27 م
05‏/02‏/2013

أقوال الصحابة وحجيتها في التفسير للدكتور( منصور أبوزينة )




أكرم الله سبحانه هذه الأمة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لينقذها -حين ضلَّت وزاغت- من ظلمات الجهل وغيابات الضلال، وأنزل عليه ذلك الكتاب الخالد ما دامت السماوات والأرض، وقال له: "لا تحرك به لسانك لتعجل به . إن علينا جمعه وقرآنه . فإذا قرأناه فاتبع قرآنه . ثم إنّ علينا بيانه" ( القيامة: 16-19)، فكان سبحانه هو المبيِّن الأول للمراد من آيات كتابه، فما أُجْمِلَ في مكان فُصِّلَ في موضع آخر، وأوكل سبحانه إلى رسوله عليه الصلاة والسلام بيان ما أجمل في القرآن كله: "وأنزلنا إليك الذكر لتبيِّن للناس ما نُزّل إليهم ولعلهم يتفكرون" (النحل: 44)، فكان عليه الصلاة والسلام المبيِّن الثاني للقرآن، وقام بهذه المهمة خير قيام، فشرح كلام ربه قولاً وفعلاً حتى كان بسلوكه قرآناً يمشي بين الناس، وكان صحابته الكرام يرجعون إليه ليبين لهم ما أشكل عليهم من آي الذكر الحكيم، ويفهمون ما وراء ذلك بسليقتهم الصافية، وفطرتهم النقية.
فلما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، صار صحبه الكرام يفسرون كتاب ربهم تارة بما يروونه عن نبيهم، وتارة بما ينقلونه عن لغتهم، وتارة بما يفتح الله عليهم من معاني هذا الكتاب وأسراره، وقد نقلت إلينا كثير من تفسيرات الصحابة رضي الله عنهم، وزخرت بها كتب التفسير لاسيما التفسير بالمأثور. ولكن ما قيمة هذه الأقوال في التفسير؟ وما مدى الاعتماد عليها والوقوف عندها؟ هل هي حجة بمثابة القرآن والسنة والإجماع بحيث لا يجوز للمفسر أن يخالف قول صحابي في تفسير آية؟! هذا ما سأتناوله في هذا المقال الذي جعلته في خمسة محاور هي:
أولاً: تعريف الصحابي لغة واصطلاحاً
الصحابي في اللغة:
الصحابي اسم منسوب إلى (الصحابة) الذي صار علماً على أولئك الذين كان لهم شرف صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما جازت النسبة إلى الجمع مع أن الأصل النسبة إلى المفرد فيقال: صاحبي، لأن كلمة (الصحابة) جرت مجرى العلم، وذلك سائغ في اللغة كما قالوا: أنصاري، وأصولي.
والصحابة جمع صاحب، والصاحب في اللغة مشتق من الصُّحبة -بضم الصاد- وهي المعاشرة والملازمة والمرافقة كثيرة كانت أو قليلة (1)، ومنه قوله تعالى: "قال أصحاب موسى إنا لمدركون" (الشعراء: 61). وقولك: زيد صاحب عمرو، أي معاشره وملازمه، وصحبتُ فلاناً في سفره، أي رافقته، ولكن لا يطلق لفظ (صاحب) في العرف إلا على من كثرت ملازمته وطالت معاشرته (2).
الصحابي في الاصطلاح:
اختلف العلماء في تحديد الصحابي، فعرّفه جمهور المحدثين وبعض الأصوليين بأنه: "كل مسلم رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم تطل صحبته له، وإن لم يرو عنه شيئاً" (3). وأما جمهور الأصوليين فقالوا: "الصحابي مسلم اختص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وطالت صحبته معه على طريق الاتباع له والأخذ عنه" (4). وتظهر ثمرة الخلاف فيمن لم تَطُل صحبته، فهو عند المحدِّثين صحابي، لذلك لا يحتاج إلى التزكية والبحث عن عدالته، أما عند الأصوليين فإنه ليس صحابيّاً، لذلك يحتاج إلى التزكية والبحث عن عدالته، لأنه مجهول الحال (5).

ثانياً: تحرير موضوع النزاع في هذه المسألة
لابد قبل عرض آراء العلماء في أقوال الصحابة، وأدلة كل فريق من تحرير موضع النزاع، وبيان مواطن الاتفاق في هذه المسألة ومواطن الاختلاف فأقول:
1-اتفق العلماء على أن إجماع الصحابة حجة لا ريب فيها، حتى إن داود الظاهري ذهب إلى اختصاص حجية الإجماع بإجماع الصحابة، فإذا وجد المفسر هذا الإجماع في تفسير لفظة أو إقرار حكم فليس له أن يتجاوز إجماعهم (6).
2-اتفق العلماء على أن قول الصحابي ليس حجة على صحابي آخر، قال الآمدي: "اتفق الكل على أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين إماماً كان أو حاكماً أو مفتياً (7).
3-اتفق العلماء على أنه إذا قال الصحابي الذي لا يُعْرَف بالأخذ عن الإسرائيليات قولاً لا مجال للرأي فيه كان قوله حجة، لأن له حكم المرفوع كما قرر علماء الحديث (8).
ومثال هذا الذي له حكم المرفوع ما أخرجه البخاري بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: "لقد رأى من آيات ربه الكبرى" (النجم: 18) قال: "رأى رفرفاً أخضر قد سدَّ الأفق" (9)، وما أخرجه أيضاً بسنده عن أبي عبيدة عن عائشة رضي الله عنها قال: سألتها عن قوله تعالى: "إنا أعطيناك الكوثر" قالت: هو نهر أُعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم، شاطئاه عليه دُرٌّ مجوَّف، آنيته كعدد النجوم" (10).
فهذه الصور الثلاث خارجة عن موضع النزاع، وإنما صورة الخلاف هنا: إذا قال الصحابي قولاً باجتهاده -سواء في الفقه أو في التفسير- ولم يكن موضع إجماع عند الصحابة، فما حكم هذا القول بالنسبة لمن بعد الصحابة من المجتهدين؟ هل هو حجة أم لا؟ هذا هو موضع النزاع الذي سأوجز القول فيه في المحاور الآتية.
ثالثاً: القائلون بحجيّة أقوال الصحابة وأدلتهم
ذهب إلى حجية قول الصحابي الإمام مالك في المشهور من أقواله، والشافعي في مذهبه القديم وقيل في الجديد أيضاً، ونسب هذا القول إلى أبي حنيفة (11) وهو قول الإمام أحمد على الأصح (12) وإليه ذهب ابن تيمية (13) وابن القيم (14)، وقال به من المفسرين ابن كثير (15).
واستدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة من الكتاب والسنة والمعقول، وفيما يلي أهم هذه الأدلة:
أدلتهم من الكتاب:
1- قوله تعالى: " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدَّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم" (التوبة: 100).
وجه الدلالة: يقول ابن القيم – رحمه الله - : " فوجه الدلالة أن الله تعالى اثنى على من اتبعهم (أي الصحابة)، فإذا قالوا قولاً فاتبعهم عليه متبع قبل أن يعرف صحته فهو متبع لهم، فيجب أن يكون محموداً على ذلك وأن يستحق الرضوان، ولو كان اتباعهم تقليداً محضاً كتقليد بعض المفتين لم يستحق من اتبعهم الرضوان إلا أن يكون عاميّاً، وأما العلماء المجتهدون فلا يجوز لهم اتباعهم حينئذٍ" (16).
2- قوله تعالى: " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين " (يوسف: 108).
وجه الدلالة: أن الله تعالى أخبر أن من اتبع الرسول  يدعو إلى الله، ومن دعا إلى الله على بصيرة وجب اتباعه لقوله تعالى - فيما حكاه عن الجن - : " يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به" (الأحقاف: 31) (17).
3- قوله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله (آل عمران: 110).
وجه الدلالة: أن هذه الآية قد قررت - وهي خطاب مشافهة للصحابة - أن كلَّ ما أمروا معروف، وكلَّ ما نهوا عنه منكر، فيكون الأخذ بقول الواحد منهم أو مذهبه واجباً، لأن الأمر بالمعروف واجب القبول، والنهي عن المنكر واجب الامتثال (18).
أدلتهم من السنة:
1- ما أخرجه البخاري ومسلم بسنديهما عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" (19).
وجه الدلالة: أن النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر أن خير الناس قرنَه مطلقاً، وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، فأقوالهم إذاً مقدَّمة قطعاً على أقوال من بعدهم؛ لأنها خير منها (20)
2- ما أخرجه مسلم بسنده عن أبي بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون " (21).
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النجوم إلى السماء، ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطي من وجوب الاهتداء بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم، فليس أمانهم للأمة إلا برجوعها إلى مذاهبهم (22).
3- قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
وجه الدلالة: أن ظاهر الحديث يقتضي جواز الاقتداء بالواحد منهم، وأن الاقتداء به اهتداء، وإذا كان مذهبه محكوماً له بالهدى لم يجز العدول عنه إلى غيره (23).
دليلهم من المعقول:
وذلك من وجهين:
1- أنه يحتمل أن يكون مستند قول الصحابي النقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
2- أن قول الصحابي وإن كان صادراً عن الرأي ، فرأي الصحابة أقوى من رأي غيرهم وأقرب إلى الحق؛ لأنهم شاهدوا الوحي والتنزيل، وفهموا التأويل، وعاينوا من أسباب النزول ما يكشف لهم النقاب عن معاني الكتاب، ولهم من سلامة فطرتهم، وصفاء نفوسهم، ونقاء عقيدتهم، وعلوِّ كعبهم في الفصاحة والبيان ما يمكنهم من الفهم الصحيح لكتاب الله (24).
رابعاً: القائلون بعدم حجية أقوال الصحابة وأدلتهم:
ذهب إلى أن قول الصحابة ليس بحجة مطلقاً، وإنما هو كقول غيره من المجتهدين جمهور الأصوليين، فهو مذهب الإمام الشافعي في جديده، وهو قول جمهور أصحابه كالبيضاوي والآمدي والغزالي والرازي وغيرهم (25)، وهو رواية عن أحمد (26)، وهو قول للإمام مالك (27)، وقال به جماعة من الحنفية كأبي الحسن الكرخي والدبوسي وغيرهما (28)، وإليه ذهب ابن حزم الظاهري (29)، وقال به من المفسرين الإمام الشوكاني (30).
واستدلوا بعدة أدلة من الكتاب والإجماع والقياس والمعقول.
أدلتهم من الكتاب:
1- قوله تعالى: " فاعتبروا يا أولي الأبصار" (الحشر: 2).
وجه الدلالة : أن الآية الكريمة دلّت على وجوب الاعتبار أي الاجتهاد، والتقليد ينافيه سواء أكان تقليداً لصحابي أم لغيره (31).
2- قوله تعالى: " فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول " (النساء: 59).
وجه الدلالة : أن الآية الكريمة نصت على أنه عند الاختلاف يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة، فالرجوع إلى قول الصحابي يكون تركاً للواجب وهو ممتنع (32).
دليلهم من الإجماع:
أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على جواز مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة المجتهدين للآخر، ولو كان قول الواحد منهم حجة لما كان كذلك، ولوقع الإنكار على من خالفه منهم.
دليلهم من القياس:
أنه قد تمَّ الاتفاق على أن مذهب الصحابي ليس بحجة على غيره من المجتهدين في أصول الدين، فلا يكون حجة في فروعها، والجامع تمكن المجتهد في الموضعين من الوقوف على الحكم بطريقه (33).
دليلهم من المعقول:
وذلك من وجوه:
1- أن الصحابي يجوز عليه الخطأ والسهو، ولم تثبت عصمته فلا حجة في قوله، وقد كان الواحد منهم ربما يجتهد، ثم يتبيَّن له الحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف قوله.
مثال ذلك ما أخرجه البخاري بسنده عن عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد : إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن حُمُر الأهلية، فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس، وقرأ: " قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً " (الأنعام: 145). (34)
قال صديق خان معقباً على قول ابن عباس : " وأقول: وإن أبى ذلك البحر ابن عباس فقد صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتمسك بقول صحابي في مقابلة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من سوء الاختيار وعدم الإنصاف" (35).
2- أن الصحابة قد اختلفوا في مسائل، وذهب كل واحد إلى خلاف مذهب الآخر، فلو كان مذهب الصحابي حجة على غيره من المجتهدين لكانت حجج الله مختلفة ومتناقضة، ولم يكن اتباع البعض أولى من البعض الآخر (36).
3- أنه قد صح عن الصحابة أنهم قالوا بآرائهم، صح ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وغيرهم رضي الله عنهم، وكلهم يقول: (أقول هذا برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمنّي، وزاد بعضهم (ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان)، فإذا صح ذلك صح أنهم تبرأوا من ذلك الرأي ولم يروه على الناس ديناً، وما دام قد ظهر منهم الفتوى بالرأي واشتهر، وبما أن احتمال الخطأ في اجتهادهم ثابت لكونهم غير معصومين من الخطأ كسائر المجتهدين؛ فإن مذهبهم متردد بين الخطأ والصواب كسائر المجتهدين؛ فلا يكون حجة (37).
4- أن قول الصحابي لو كان حجة لكان قول الأعلم والأفضل حجة على غيره، واللازم منتف بالإجماع، فالملزوم منتف كذلك.
5- أنه قد ثبت أن الصحابة رضي الهن عنهم قد سوّغوا للتابعين الاجتهاد معهم، وكانوا يفتون مع توافر الصحابة، بل يخالفونهم في مسائل عديدة، ولم ينقل عن الصحابة أنهم أنكروا عليهم ذلك، بل كانوا يقرونهم عليه، فلو كان مذهب الصحابي حجة على غيره لما ساغ للتابعي ذلك، ولأنكر عليه الصحابي مخالفته لمذهبه.
خامساً: بيان القول الراجح
وبعد هذه الجولة مع أدلة القائلين بحجية أقوال الصحابة والنافين لها، أجدني أميل إلى أن أقوال الصحابة – على شرفهم وشرفها- ليست بحجة ملزمة، وذلك لاطمئنان نفسي واقتناع عقلي بأدلة النافين لحجية قول الصاحب، وأما أدلة القائلين بالحجية فالجواب عنها كما يلي:
الجواب عن أدلتهم من الكتاب:
1-أما استدلالهم بقوله تعالى: " والسابقون الأولون " الآية؛ فالجواب أن المقصود باتباعهم هو أن يقول ما قالوا بالدليل، وهو سلوك سبيل الاجتهاد، لأنهم إنما قالوا بالاجتهاد والدليل عليه قوله: " بإحسان" ومن قلدهم لم يتبعهم بإحسان، لأنه لو كان مطلق الاتباع محموداً لم يفرق بين الاتباع بإحسان أو بغير إحسان (38).
2-وأما استدلالهم بقوله : " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله " الآية، فالجواب أن المجتهدين في سائر الأزمان يتبعون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يدعون إلى الله على بصيرة، فالصحابة وغيرهم مأمورون بالدعوة إلى الله على بصيرة أي بالدليل، وهذا ينافي التقليد.
3- وأما استدلالهم بقوله : " كنتم خير أمة " الآية، فالجواب أن الخطاب في الآية وإن كان خطاب مشافهة فهو متوجه إلى جميع الأمة إلى آخر الزمان، ولا يختص بالصحابة، وهذا هو الصحيح، وبناءً عليه لا يمكن الاستدلال بالآية على حجية مذهب الصحابي، وإلا وجبت حجية مذهب كل من أمر بمعروف أو نهى عن منكر من الأمة، وهذا خلاف الإجماع (39).
وأما ما استدلوا به من السنة:
فالجواب أن غاية ما يستفاد من هذه الأحاديث هو الثناء عليهم، الذي يوجب حسن الاعتقاد فيهم من حيث فضلهم وعلمهم ودينهم محلهم عند الله تعالى، ولا يعني ذلك حجية أقوالهم، على أن الحديث الثالث " أصحابي كالنجوم " إما موضوع (40) وإما ضعيف جدّاً لا تقوم به حجة.
الجواب عن دليلهم من المعقول:
1- أما استدلالهم باحتمال أن يكون مستند قول الصحابي النقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالجواب أنَّا لا نسلم أن مستنده النقل، لأنه لو كان معه نقل لأبداه ورواه، لأنه من العلوم النافعة التي يجب نشرها، لاسيما وقد علم إثم الذي يكتم العلم عن الناس.
2- وأما استدلالهم بفضل الصحابة رضي الله عنهم وعظيم شأنهم وعلوِّ قدرهم في العلم واللغة والفهم التام والاعتقاد السليم، فالجواب أنا لا ننكر شيئاً مما ذكرتموه، فإن مقام الصحبة مقام عظيم تكمل به الفضيلة ويعظم به الشأن، ولكنَّ هذا شيء، والعصمة من الخطأ شيء آخر، والله لم يبعث لهذه الأمة إلا رسولاً واحداً نأخذ عنه دون تردد، وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم. (41).
2:57 م
04‏/02‏/2013

من صفات القادة كما عرضها القرآن الكريم / د. محمد عقلة الابراهيم




لا نبعد عن الصواب إذا قلنا: إن افتقاد الرجال القادة هو مما يعاني منه المسلمون، وخاصة في العقود الأخيرة، بل ويشكل أزمة إدارية - فكرية لديهم (وهي ظاهرة عند غير المسلمين أيضاً) قادة يجمعون بين العلم والعمل، ويرشدون إلى الطريق الصحيح وعندهم القدرة على فرز الأولويات والتعامل الذكي مع الواقع، كما عندهم القدرة على التغيير إلى ما فيه خير الأمة وحاجاتـها وآمالها.
وعندما نتكلم عن الحاجة إلى مثل هذه القيادة فلا نعني تأييد نظرية من يقولون بتأثير الفرد الأوحد أو انتظار البطل الذي يقود الجموع للهدف المنشود، ما نقصده هو إيجاد الشخصية القيادية المؤهلة لحمل الأعباء والتكاليف والمهمات الصعبة والمؤهلة إيمانياً وعقلياً وإدارياً، كما لا نؤيد من يقول: إن الظروف غير مهيأة اليوم، وأن طبيعة المرحلة لا تنجب مثل هذه الشخصية، لا نقول مثل هذا الكلام المحبط، فالتربية والإعداد والممارسة العملية، وممارسة الشورى على حقيقتها يمكن أن يأتي بـهذه الشخصية.
وإذا كانت التربية بالقدوة من أساليب الإعداد الناجحة، فإن أعظم القادة الذين يتأسى بـهم هم رسل الله، أكمل الخلق إيماناً وعلماً وعملاً، وهم هداة الناس إلى كل خير، وقادة الأمم إلى ما فيه صلاحهم، ولقد أكثر القرآن من ذكر صفات هؤلاء الرسل، وذكر أخلاقهم وسجاياهم وأعمالهم وصبرهم، وأكد القرآن على أن جاذبية هؤلاء الرسل لا تنبعث من مغربات مادية، ولا جاه عريض أو لقب كبير، وليس عندهم نفع يملكونه فيوزعونه، وليست لهم خزائن الأرض، ولا في أيديهم الأرزاق، عرض القرآن صفاتـهم وجردهم من كل تلك المغريات، وواجه الأمم في ذلك، قال - تعالى - على لسان نوح - عليه السلام -: (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك).
(وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً، أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحوراً، انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً، تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً).
أبعد الله الرسل عن تلك المغريات وكذب ظن الظانين أن الرسل يجب أن يكونوا من عظماء المظاهر (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) [الزخرف: 31]. إن جاذبية القائد يجب أن تكون من أخلاقه وأعماله وارتباطه بالله - سبحانه وتعالى-، لا يريد جزاء ولا شكوراً، لا يجمع الأتباع بالمغريات المادية، أو بالمناصب يوزعها عليهم (وربما يستحدث مناصب وهمية ليرضيهم) ولا تكون بالمداهنة ومحاولة استمالة الجموع وستر أخطائها وإخفاء أغلاطها، وتجاهل مواضع ضعفها، فهذه قيادة مزيفة لا تستطيع أن تخفي عوارها طويلاً، وسرعان ما تنفض الجموع من حولها.
ومن الصفات التي ذكرها القرآن في الرسل الكرام تلك الثقة المطلقة بالمبادئ التي يدعون لها، ولا يساورهم شك في الأهداف التي يسعون لها، قلوبـهم مطمئنة مهما اعترض سبيلهم من عوائق يجابـهون المخالفين ولو كانوا كثرة كاثرة، أما الذين يروعهم الخطر اليسير، وتنخلع قلوبـهم لأي طارئ، وتشغلهم المراتب، وتلهيهم المعاشـات فهؤلاء لا يصلحون للقيادة ولا تصلح لهم. كان القرآن يطمئن الرسـل والذين معهم أنـهم منصورون (وكان حقا علينا نصر المؤمنين). (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين) [النساء: 82].
إن من الآفات المهلكة أن تضعف الثقة بنصر الله وتأييده وأن يشيع القائد في صفوف الجماعة روح اليأس والفشل كما تحدث القرآن عن ذلك الهم الذي يحمله الرسول بين جنباته، وذاك الحرص الشديد على إيمان قومه، وهذا القلق الذي يقيمه ويقعده خوفاً عليهم ألا يؤمنوا (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً) [الكهف: 6].
وقد من الله على الناس أن بعث فيهم رسولاً منهم يعرفونه ويعرفهم، ويتكلم بلسانـهم، ومهمته أن يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) [التوبة: 128].
إنه - صلى الله عليه وسلم - رؤوف بالمؤمنين، يصل قلبه بقلوبـهم، وروحه بأرواحهم، يرمون هدفاً واحداً، يتقاسمون السراء والضراء في حنان وعطف، ومشاركة وجدانية تعرف مواقع الضعف والقوة، وتعامل كلاً بما يناسبه، فهي رحيمة عادلة، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتفقد أصحابه ويتتبع أحوالهم، ويسعى في حاجاتـهم، وكانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي - صلى الله عليه وسلم - فتنطلق به حيث شاءت في سبيل قضاء حاجة لها، وهذا يدل على سهولة الخلق ويسره، إنـها مشاركة تألم لخطأ الخاطئين، وتبتهج لصواب الموفقين، تقسو وترق لتصلح لا غير.
ومن الصفات التي رسمها القرآن لقادة الأمم ومن بـها على الأنبياء حيث نفحهم بأعظم الصفات الحكمة (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله) [لقمان: 12] (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة) [النساء: 54]، (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) [البقرة: 269] ((وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة) [المائدة: 110]، والحكمة في أصل معناها ترجع إلى المنع طلباً للإصلاح، فالحكيم هو الذي يصرف نفسه عن هواها والحكمة وضع الشيء في موضعه، وهي على هذا إنما تشمل العلم والعمل، وحين ذكر الله - سبحانه وتعالى- في سورة الإسراء أصولاً من الأخلاق والأوامر والنواهي عقب على ذلك بقوله: (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة) [الإسراء: 39].
إنها معرفة الحق وعمل الخير، ولون من الفطنة تنتهي إلى الرأي السديد، وهو ما يغلب به القائد هواه، ويتخلص من المباغتات الطارئة، والتدبير للمواقف الشديدة، إنـها تكون حيث لا يغلبها الحقد، ولا يستفز القائد غيره من رؤوس تظهر حوله، ليست الحكمة الكلام النظري المنمق، ولا تلتمس الحكمة عند أصحاب التأمل المجرد، وربما يؤدي به الغوص إلى الشك والحذر المضيع للفرص، أو يؤدي إلى افتراضات واحتمالات غير واقعية، كما لا يعني أن أصحاب المقدرة العلمية النظرية، أو المتعمقين في أصناف العلوم هم الأجدر بامتلاك الحكمة، إذا لم يمارسوها عملياً، وكما قيل: عندما تكبر الحكمة تتضاءل المعلومات، ولا تلتمس عند أصحاب التفاصح في البيان، ولكنها عند الذين يمارسون عملية تزكية النفس وتزكية الآخرين، ويقدرون على تناول الأمور بلطف وحسن تدبير، ويدخلون البيوت من أبوابـها.
أقام القرآن الكريم رسل الله في مقام القدوة (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه) (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً) وعندما قرر القرآن بشرية هؤلاء الرسل، إنما أراد أن يتم الاقتداء بـهم وأن يبطل حجة المعاندين المراوغين عن الحق، وبسبب هذه الأسوة وهذا النموذج فقد كملت شمائل هؤلاء الرسل، وعظمت همتهم ونجدتـهم وألقي في نفوسهم الاستعداد لاحتمال الآلام، والصبر على العظائم فلا يبطرهم نصر، ولا يطمعون في حياة خالية من الشدائد، يطلبون الحق ولو ضل جميع الناس، كما جاء في الحديث عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - عندما سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المسلم يلقى الشر قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - "أن تبقى على الحق ولو أن تعض على أصل شجرة".
إن الشجاعة من أعظم ميزات القادة، سواء الشجاعة المادية أو المعنوية وقد جاء في الحديث: "شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع" ومن أعظم أنواع الشجاعة أن تجابه الجموع إذا كنت تعتقد أنك على الحق، ولقد جابه موسى - عليه السلام - فرعون وقومه ودولته وهو وحيد ليس معه إلا أخاه هارون - عليه السلام -، وجابه الرسول - صلى الله عليه وسلم - قومه وهو وحيد فريد في قلة قليلة، إن قراراً شجاعاً في اللحظات الحرجة قد ينقذ الموقف.

لقراءة المقال من المصدر 
10:50 ص
17‏/12‏/2012

أنثر ابداعك / الهجرة النبوية بقلم : نجلاء الظاهر






الهجرة النبوية : هي خروج النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه رضوان الله عليهم من مكة إلى المدينة المنورة (التي كان اسمها  يثرب)فرارا من أذى الكفار، ومنها قد بدأ التاريخ الهجري على يد "عمر بن الخطاب " (رضي الله عنه ).
هاجر الرسول إلى المدينة المنورة، مع أبي بكر الصديق وقد ... النص كامل